سيد محمد طنطاوي
52
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعطاء قالا : فإن اللَّه قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون » « 1 » . والمعنى : إن اللَّه أسبغ عليكم نعمه - أيها المؤمنون - وأكمل لكم دينه ، ويسر لكم شرعه ، ومن مظاهر ذلك أنه - سبحانه - أحل لكم التمتع بالطيبات ، كما أحل لكم أن تأكلوا من ذبائح أهل الكتاب . وأن تطعموهم من طعامكم . قال ابن كثير : وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، أن ذبائحهم حلال للمسلمين ، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير اللَّه ، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم اللَّه ، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه - تعالى وتقدس - « 2 » . وإنما قال : * ( وطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) * أي يحل لكم ان تطعموهم من طعامكم للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح عن المناكحة . فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد ، إذ لا يحل لغير المسلم أن يتزوج بمسلمة ، لأنه لو جاز ذلك لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن ، واللَّه - تعالى - لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا ، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا . قال بعض العلماء : والجمهور على حل ذبائح أهل الكتاب إذا أهريق الدم ، وقد اتفق الجمهور على حل هذه الذبائح ، والخلاف عندهم فيما عدا الذبائح التي ثبت حلها بالنص ، وأما غير الذبائح فهو قسمان : القسم الأول : ما لا عمل لهم فيه كالفاكهة والبر وهو حلال بالاتفاق . والقسم الثاني : ما لهم فيه عمل وهو قسمان - أيضا - أحدهما ، ما يحتمل دخول النجاسات فيه كاستخراج الزيوت من النباتات أو الحيوانات وهذا قد اختلف فيه الفقهاء . فمنهم من منعه لاحتمال النجاسة ، ومن هؤلاء : ابن عباس ، لأن احتمال النجاسة ثابت ، وهو يمنع الحل . وقد تبع هذا الرأي بعض المالكية ، ومن هؤلاء الطرطوسي وقد صنف في تحريم جبن النصارى ويجرى مجرى الجبن الزيت ، وعلى هذا الرأي يجرى مجراها السمن الهولاندى وما شابهه . ولكن الجمهور على جواز ذلك ما دام لم يثبت أنه اختلط بهذا النوع من الطعام نجاسة ، والثاني : المحرم ، وهو ما ثبت أنه قد دخله نجاسة بأن دخله أجزاء من الخمر أو الميتة ، أو الخنزير ، أو غير ذلك من المحرمات » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 65 ( 2 ) ابن كثير ج 2 ص 19 ( 3 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة . مجلة لواء الإسلام العدد الرابع من السنة التاسعة عشرة .